20
ربيع أول
1443 هـ
26
اكتوبر
2021 م

وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ

line
about
تاريخ النشر: 2020-08-09 19:13:44
المشاهدات: 375

{وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

أولا: التفاعل مع القرآن:

حديثنا الليلة حول حقيقة كبرى بل هي الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، وهي أن الآخرة هي دار القرار، أما هذا الوجود الدنيوي فزائل لا يدوم، حقيقة خالدة عظيمة تضمنتها بعض آية في كتاب الله.

‌أ) شأن المؤمن أن يتفاعل مع القران كما السلف يتفاعلون مع كل آية تنزل ويتأثرون بها تأثرًا عظيمًا يغير مجرى حياتهم وتفكيرهم.

فمنهج المؤمن مع القران ومع السنة، مع كلام الله وكلام رسوله، مع أوامر ونواهي الوحيين هو منهج التلقي للتنفيذ، فيتأمل ما أتى به القرآن والسنة ويعمل على الفور بما يترتب عليه، وهو المنهج الذي جعل من جيل الصحابة جيلا قرآنيًا فريدًا، وكأنما أحدهم قران يمشى على الأرض، كيف لا وقد وصفت لهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، نبيهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم؛ بأنه كان خلقه القران.

‌ب)    

1. حين نزل قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ • إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، قال عمر رضي الله عنه: انتهينا ربنا انتهينا ربنا وأراق الصحابة على الفور الخمور حتى جرت في سكك المدينة، بمجرد سماعهم منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن الخمر حرمت.

2. وحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: "لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"؛ وذلك فيما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عُرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، قال أنس: فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، قال: غطوا رءوسهم ولهم حنين (صوت البكاء)            (رواه مسلم - باب توقيره صلى الله عليه وسلم 4/1833).

وفي سياق آخر: لو تعلمون ...، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله"، فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد فتوكل.

 

3. وحين عاتب صلى الله عليه وسلم الأنصار حين وجدوا في أنفسهم، حين أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأعطيات لأناس يتألفهم ولم يعطهم، وبلغه صلى الله عليه وسلم أنهم وجدوا في أنفسهم من ذلك، فما زال يعـاتـبهم عتابًا رقيقًا، إلى أن قال لهم: "أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم"، فبكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا.

4. وحين نزل قوله تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وكان أبو بكر رضي الله عنه قد أقسم ألا ينفع مسطحًا (مسطح بن أثاثة رجلا فقيرًا من قرابته) بنافعة أبدًا بعد ما كان يحسن إليه، وذلك لما خاض مع أصحاب الإفك في شأن عائشة رضي الله عنه فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، وأعاد النفقة إلى مسطح وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

5. وحين نزل قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالكمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد اختلفا في شيء فارتفعت أصواتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت هذه الآية كان عمر بعد ذلك إذا حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه (قاله ابن الزبير رحمه الله).

6. وهذا أبو الدحداح رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق رداح لأبى الدحداح في الجنة"، رداح أي ثقيل يعنى نخل أثقله الثمار، وهذا الحديث صحيح وإن اختلفت قصته أو سببه فكلها تحكى استجابة وتفاعلًا إيمانيًا قويًا مع كلام قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو صحيح بمجموع طرقه، فمنها أن رجلًا أختلف مع آخر في نخلة بينهما فقال صلى الله عليه وسلم دعها له ولك بها نخلة في الجنة، وفي بعضها أن الخلاف كان بين أبى لبابة ويتيم فحكم صلى الله عليه وسلم بها لأبى لبابة فبكى اليتيم، فقال صلى الله عليه وسلم لأبى لبابة: "دعها له ولك بها نخلة في الجنة"، وكان لأبى الدحداح حائط (بستان) فيه امرأته وأولاده ومتاعه، فقال لرسول صلى الله عليه وسلم: إن أنا أعطيتها له لي بها شجرة في الجنة؟ قال: "نعم"، فاشتراها أبو الدحداح وأعطاها الرجل أو أبا لبابة، وذهب أبو الدحداح إلى حائطه ينادى يا أم الدحداح اخرجي وأخرجي ولدك ومتاعك من الحائط؛ فقد اشتريت به نخلة في الجنة وبعتها ربى، فقالت: ربح البيع أو كلمة تشبهها، وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق رداح لأبى الدحداح في الجنة"، وفي قصة ثالثة لما نزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} فقال أبو الدحداح: يا رسول الله، ربى يستقرضنا، قال: "نعم"، فقال: قد أقرضته حائطي، وذهب لأم الدحـداح فأخـرجها، وقال: قد أقرضـته ربى، فقالت: ربح بيعـك (انظر تفسير سعيد بن منصور محققًا للألباني 3/937،938 - والمصباح المنير 136).

 

7. وحين كان ابن عمر يلبس ثوبًا معصفرًا، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف ابن عمر الكراهة في وجهه، فانصرف إلى أهله وقد سجروا تنورا لهم فألقى فيه الثوب، ثم لقيه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقال: "ما فعلت الريطة؟" (أي: الملاءة: الثوب المعصفر التي كان يلبسه)، قال: فأخبرته بما صنعت، فقال صلى الله عليه وسلم: "هلا كسوتها بعض أهلك؛ فإنه لا بأس بها للنساء".

8. ولما وجد صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه قد لبس خاتمًا من ذهب نزعه فألقاه وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في إصبعه"، فلما ذهب صلى الله عليه وسلم قال بعض القوم للرجل: خذ خاتمك انتفع به (أي في غير لبسه)، فقال: والله ما كنت لآخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

9. ولما قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم لأصـحابه يوم بدر: "قوموا إلى جــنة عرضـها الســموات والأرض"، قال عمير بن الحمام، وكان بيده تمرات يأكلها فألقاها وقال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، وقاتل حتى قتل رضي الله عنه.

10. ولما أخبر أسامة بن زيد رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قتل رجلًا من الكفار بعدما قال: "لا إله إلا الله"، وشعر أسامة انه ما قالها إلا خوفًا من الموت، فحاك ذاك في نفسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة، هلا شققت عن قلبه فعلمت أقالها أم لا؟"، قال أسامة: فما زال يكررها، حتى تمنيت أنى أسلمت يومئذ.

11. وهذا عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على جنازة فحفظت من دعائه كذا وكذا، حتى تمنيت أنى ذلك الميت.

‌ج)  الله أكبر .. من قدوتهم .. من رباهم .. إنه المصطفي صلى الله عليه وسلم:

1. حين نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ • قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} قام إلى أن مات، وكان يقوم حتى تتورم قدماه، ويقول: "أفلا أحب أن أكون عبدا شكورًا".

2. وحين نزل قوله تعالي: {عَبَسَ وَتَوَلَّى • أَنْ جَاْءَهُ الأَعْمَى} ، أي عتاب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم لإعراضه عن عبد الله بن ام مكتوم، وكان رجلا أعمى (يعني لا يرى عبوس وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم) حين أتاه وهو مشغول بالحديث مع بعض وجهاء المشركين يدعوهم إلى الله، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهش له ويبش ويكرمه؛ بل وأهل بيته صلى الله عليه وسلم حتى بعد موته، وقد حكى الشعبي، رحمه الله، أنه دخل على عائشة وعندها ابن أم مكتوم تقطع له الأترج يأكله بالعسل، فقالت: مازال هذا بآل محمد صلى الله عليه وسلم مذ عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنـما أرادت أم المؤمنين نزول سـورة عبس (المستدرك على الصحيحين).

وعن أنس جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبى بن خلف فأعرض عنه فأنزل الله {عَبَسَ وَتَوَلَّى • أَنْ جَاْءَهُ الأَعْمَى}، قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه (مسند أبى يعلي الموصلي 3123 - الألباني بسند صحيح).

 

وللديلمي عن أنس (6605) بدون سند: كان صلى الله عليه وسلم كلما رأي ابن ام مكتوم يقول: "أهلًا بمن عاتبني فيه ربي".

3. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يقرأ عليه فقرأ من سورة النساء، يقول حتى بلغت قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا} نظرت فإذا عيناه تذرفان.

4. وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

‌د) صدق وعز من قائل: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

1. قام الربيع بن خثيم ليلة بآية واحدة يرددها ويبكي {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.

2. وتذكر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قوله تعالى: {فَرِيْقٌ في الجَنَّة وفَرِيْقٌ في السَّعِيْر} فبكى فلم ينقطع بكاؤه، حتى سمعه أهل البيت وهم لا يدرون ما يبكيه، حتى بكوا ببكائه، فلما انجلت عنه العبرة سألوه عما أبكاه فقال: ذكرت منصرف القوم بين يدي الله تعالى "فريق في الجنة وفريق في السعير"؛ فلا أدرى إلى أي الفريقين أصير؟

هـ)  قوم حيت قلوبهم بالقرآن باستجابتهم له وتفاعلهم معه، فكان هذا حالهم:

1. قال ابن القيم، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى:{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} إن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله  صلى الله عليه وسلم، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية هي حياة من استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة هو أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر، رحمه الله، قول قتادة في معنى قوله تعالى: {لما يحييكم} قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والحكمة في الدنيا والآخرة (كيف نحيا بالقرآن 4،3).

2. لكن لقائل أن يقول: ولكن كيف تستجيب قلوبنا للقرآن كما استجابت قلوب هؤلاء فتحيا به وتنتفع؟ ولماذا يحدث تفاوت كبير في استجابة القلوب للقرآن؟

فرب طالب علم لا يتفاعل قلبه مع القرآن، ورب ساع إلى فاحشة أو سارق أو قاطع طريق يسمع آية من كتاب الله فيبكى ويتوب ويتغير مجرى حياته كما حصل للفضيل بن عياض، رحمه الله، لما سمع قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}.

- في الحقيقة هو أمر عجيب، ويحضرني هنا قول أبى عبد الله الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، حين سئل عن معنى الزهد في الدنيا، فقال: قصر الأمل، قيل له: بأي شيء نستعين على قصر الأمل؟ قال: ما ندرى إنما هو توفيق (جامع العلوم حديث 40 ج2 /421 بتحقيق طارق عوض الله).

الله أكبر ... إنما هو توفيق، فضل من الله وعون وتوفيق للعبد، مع أن هناك أسبابا أخرى يجب الأخذ بها ويكافئ الله العبد عليها بالانتفاع بالقرآن، كالتدبر في الآيات والتأمل فيها، ومنها التقوى لقوله تعالى: {هدى للمتقين}، وغير ذلك، لكن يبقى أن هناك عاصيا غير تقى قد تحصل له استجابة لآية من كتاب الله فضلًا منه تعالى؛ بل ربما يسلم كافر وتتغير حياته؛ مما يدل على أهمية هذا السبب، وأنه رأس الأسباب (إنما هو توفيق من الله)، ولذلك لابد أن نفزع إلى الله بالدعاء ونشعر بالفقر إليه ونسأله تعالى التوفيق للانتفاع بكتابه وحياة قلوبنا به حتى لا يكلنا إلى أنفسنا.

- يصف ابن القيم لنا وصفة طبية أو علاجية حتى نكون أهلًا للانتفاع بالقرآن والاستجابة له، وهي وصفة مهمة من جملة الأسباب، أحسب أننا لو نجحنا في الالتزام بها فستتغير أحوال قلوبنا، وهذه الوصفة العلاجية للقلب ذكرها في مدارج السالكين، ألا وهي أن تتجنب مفسدات القلب الخمسة، فما هي مفسدات القلب الخمسة التي تعوق القلب عن التأثر بالقرآن التي أرشدنا ابن القيم إلى اجتنابها لننفعل وننتفع بالقرآن؟ هي:

1- كثرة الخلطة (لاسيما مع غير الصالحين مع عدم دعوتهم إلى الله).

2- التمني (تلهية القلب بتخيلات دون عمل).

3- التعلق بغير الله .

4- الشبع.

5- كثرة النوم.

      ثانيا: التعامل مع قوله تعالى: {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}:

ومقصودنا الآن أن نتذاكر حول هذه الآية العظيمة: {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}، فكيف يكون                    تفاعلنا معها، وانتفاع قلوبنا بها؟

هذه الآية الكريمة يستجيب لها قلب المؤمن ويتفاعل معها فينتفع باستحضارها ويتسلى بها في مواطن شتى؛ فيثبت قلبه وتستقيم نفسه على الطريق إلى الله.

إزاء الشاردين المتمردين الآبقين على الله أصحاب العتو والاستكبار، ممن يسيرون على نهج الفراعنة:

- بدليل ورود الآية أساسًا في هذا السياق، إذ هي حكاية عما قاله رجل مؤمن صالح لقوم فرعون؛ وذلك في سياق مؤثر في سورة غافر، يقول فيه الحق عز وجل: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّاب • يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ • وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ • مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ • وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ • يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد • وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ • الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ • وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ • وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ • يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ • مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

- فمن عرف أن الآخرة هي دار القرار لن يكون عبدًا لملك زائل، ولن يغتر بقوة ولا بمال ولا بأي متاع فان من متاع هذه الدنيا. 

- وغياب هذه الحقيقة (حقيقة أن دار الآخرة هي دار القرار) عن القلوب هي مفتاح كل شر، حيث تصبح الدنيا نهاية المطاف فيظهر كل انحراف وكل خلق ذميم، لذلك لما توعد الله المطففين قال: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ • الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ • وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ • أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ • لِيَوْمٍ عَظِيمٍ • يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي لو كانوا موقنين بالآخرة ما فعلوا ذلك.

- وقال في سورة الماعون: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ • فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ • وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ • فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ • الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ • الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ • وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.

 والطغاة الفراعنة لا تفقه قلوبهم شيئا من هذه الحقيقة {وإن الآخرة هي دار القرار}؛ فيستكبرون في الأرض بغير الحق، ويقهرون الناس اليتيم وغير اليتيم، ويغدرون ويخونون، يحسبون أنهم في دنياهم مخلدون، والله بصير بما يعملون، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان"، ومن وجه آخر: عند "إسته" يعنى عند دبره بحذائه.

قال ابن المنير: كأنه عومل بنقيض قصده، لأن عادة اللواء أن يكون على الرأس، فينصب عند السفل زيادة في فضيحته، لأن الأعين تمتد إلى الألوية فيكون ذلك سببًا في امتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحته (الفتح 6/284 باب إثم الغادر ...).

- أما تاريخ المسلمين الطاهرين الذين هم بالآخرة يوقنون ويعلمون أنها دار المقامة والقرار، وما الحياة الدنيا إلا متاع، فإن نفوسهم الكريمة تشمئز من الغدر والخيانة والاستكبار، من أجل ملك أو متاع زائل. 

- وأسوق هنا موقفًا إيمانيًا مؤثرًا للإمام الزاهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، رحمه الله ، وذلك أن قتيبة بن مسلم لما دخل بلاد سمرقند بعد أن صالحهم مرارًا وهم ينقضون العهد، صالحهم مرة وغدر بهم انتقاما من غدراتهم السابقة، فذهب وفد منهم إلى عمر بن عبد العزيز - وفيه دلالة على ثقتهم في منهج الإسلام وحكمه وأنهم لا يظلمون في ظله (كما في حادثة ابن القبطي الذى ضربه ابن عمرو بن العاص)  ذهب الوفد إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -؛ لأنه كان أمير المؤمنين فقالوا له: بلغنا أنكم أمة الحق والعدل، وها هو قائدكم يصالحنا ثم يغدر، فأمر عمر، الإمام العادل، بأن يخرج الجيش من المدينة لأنهم أعطوهم عهد الله ورسوله ثم غدروا بهم؛ فخرج الجيش، فهل تدرون ماذا حدث؟ ماذا كانت النتيجة؟ دخل أهل سمرقند جميعًا في دين الله عن حق ويقين ولم يغدروا بعدها أبدًا.

- وقد يتساءل البعض، وهل مطلوب من المسلم أن يظل يصالح أو يعاهد وهو يغدر به؟

والجواب: كلا، فبوسعه ألا يصالح ولا يعاهد العدو ابتداء، أو يعاهد ولكن إن أراد إنهاء هذا العهد أو الصلح نبذه إليهم على سواء، أي أعلمهم قبل أن يهاجمهم أن عهدكم أو صلحكم من الآن ليس بلازم لي، كما في قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}؛ أي حتى يستوي علمك وعلمهم بزوال العهد {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.

- وهذا الخلق القويم لا يتسنى إلا للأحياء لا أعنى الحياة البهيمية بحركتهم وأكلهم وشربهم، ولكن أعنى الذين أحياهم الله بالقرآن فانتفعت به قلوبهم، بخلاف من لم ينل ذلك الفضل، فهو لا يزال ميتا، لا يصدر عنه إلا كل خبث وخيانة وغدر، لأنه فاقد لمادة الحياة الحقيقية الكريمة اللائقة ببنى آدم ولهذا قال تعالى:  {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} أي بالقرآن ، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}، وكذلك بعد قوله تعالى في سورة الحديد: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، قال عز وجل: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها} أي يحيى القلوب القاسية بالقرآن كما يحيى الأرض الميتة بالغيث والأمطار.

1) ويحيى المؤمن بهذه الآية  {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}  على الصعيد الاجتماعي سواء فيما يتعلق:

‌أ) باهتمامات الناس.

‌ب) أو أسباب المشاكل والصراعات بينهم.

‌ج)  أو تعقد كثير من أمور حياتهم.

فوراء كل ذلك - تفاهة الاهتمامات، المشاكل والصراعات، وتعقد أمور الحياة - غياب هذه الحقيقة عندهم {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}.

‌أ) على صعيد الاهتمامات التي تشغل المرء:

 

فلا شك أنها تتعلق بشدة ما يعمر قلبه من إدراك لهذه الحقيقة {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} أو بخلوه من ذلك.

•  لأن الانسان يبذل كل جهده ويجعل كل مدخراته في دار القرار التي تكون فيها سكناه وحياته الدائمة، فمن كانت دار القرار بالنسبة له الآخرة كانت حساباته واهتماماته متوجهة إلى عمارة هذه الدار بالطاعات والتزام منهج الله ونصرة شرعه، ويخشى من كل ما ينقص من دار قراره؛ فيكبح جماح نفسه عن نيل شهواته المحرمة وعن الولوغ في المعاصي التي تهدم من داره او تمنعه من الوصول إليه، ومن تضييع الأوقات فيما لا ينفعه في آخرته.

فحي على جنات عدن فإنها     *       منازلنا الأولى وفيها المخيم

ولكـننا سبي العدو فهل ترى    *       نـعــود إلى أوطــاننا ونسـلم

     وإن كانت دار القرار بالنسبة له هي هذه الدنيا؛ كانت حساباته واهتماماته متوجهة إلى تشييدها وتزيينها من حلال أو من حرام، والولوغ في المعاصي ونيل الشهوات المحرمة، ويتعلق قلبه تماما بهذه الدار الدنيا ويبذل كل ما بوسعه وأقصى جهده للازدياد منها والانغماس فيها، ويضيع كل أوقاته من أجلها كأنما هي دار الخلود.

•       ولهذا قال الله تعالى في شأن قوم عاد: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}؛ أي تبالغون في تشييد بيوتكم فتجعلونها قصورًا، تظنون أنكم في دار خالدة لا ترحلون عنها أو لا تموتون، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي بسند صحيح: "كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها إلا البنيان"، وفي لفظ: "إلا في التراب" (انظر صحيح الجامع الصغير 4566)؛ أي حتى ولو كان مباحًا، لكن ليس فيه أجر، هذا ظاهر الحديث بخلاف المباحات الأخرى، كما في قوله صلى الله عليه وسلم مثلًا: "وفي بضع أحدكم صدقه"، وما يكون فيه عون على طاعة الله.

-       وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبى حازم قال دخلنا على خباب نعوده، فقال: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب"، أي البنيان، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبنى حائطًا له فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب.

-       قال ابن حجر في معنى الحديث: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا"، وفي بعض الطرق ولم تنقصهم الدنيا شيئا؛ أي لم تنقص أجورهم، بمعنى أنهم لم يتعجلوها في الدنيا؛ بل بقيت موفورة لهم في الآخرة وكأنه عنى بأصحابه بعض الصحابة ممن مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فأما من عاش بعده فإنهم اتسعت لهم الفتوح، ويؤيده حديثه الآخر: "هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير".

ويحتمل أن يكون عنى جميع من مات قبله، وأن من اتسعت له الدنيا لم تؤثر فيه، إما لكثرة إخراجهم المال في وجوه البر، وكان من يحتاج إلى ذلك كثيرًا، فكانت تقع لهم الموقع، ثم لما اتسعت الحال جدًا وشمل العدل في زمن الخلفاء الراشدين، استغنى الناس بحيث صار الغنى لا يجد محتاجًا يضع بره فيه، ولهذا قال خباب: "وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب"؛ أي الإنفاق في البنيان (الفتح 10 / 123،134).

-       وصرح غير واحد من أهل العلم: أن العبد لا يؤجر فيما زاد عما تمس إليه حاجته، أما القدر اللازم الذي يكنه من الحر والبرد فيؤجر عليه.

-       فقال ابن حجر، رحمه الله، في معنى قول خباب في حديثه: "إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب": وهو محمول على ما زاد عن الحاجة، ولا بأس أن يكون مسكنه واسعًا ان لم يشق على نفسه (الفتح 10 /130).

-       وقال أيضًا بعد أن ساق أحاديث أشد في ذم البنيان لكن أسانيدها ضعيفة مثل: "إذا أراد الله بعبد شرًا خضر له (أي حسن له) في اللبن والطين حتى يبنى"، وفي لفظ: "إذا أراد الله بعبد سوءًا أنفق ماله في البنيان"، ومثل: "أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا"؛ أي إلا ما لابد منه، ثم قال: وهذا كله محمول على ما لا تمس إليه الحاجة مما لابد منه، من التوطن وما يقي من البرد والحر (الفتح 11/ 65).

-       وقال العيني في عمدة القارئ في حديث خباب: "وإنا أصبنا مالا نجد له موضعا إلا في التراب": فعلم من ذلك أن صرف المال في البنيان مذموم، لكن المذمة فيمن بنى ما يفضل عنه ولا يضطر إليه فذلك الذي لا يؤجر فيه؛ لأنه من التكاثر المنهي عنه لا من بنى ما يكنه ولا غنى به عنه (عمدة القارئ شرح البخاري - باب تمنى المريض الموت).

-       وقال المناوي في فيض القدير: (6/456 رقم 9990) في معنى الحديث إلا التراب: أي في نفقته في البنيان الذي لم يقصد به وجه الله وقد زاد على ما يحتاجه لنفسه وعياله على الوجه اللائق؛ فإنه ليس فيه أجر؛ بل ربما كان عليه وزر.

وقوله: "بل ربما كان عليه وزر" إما أخذاً بالأحاديث المشار إليها سابقا ولكنها ضعيفة، وإما إذا أراد البناء للتكاثر والتفاخر والتعـالي على النـاس ونحــو ذلك من الأمور المنهي عنها، أو أنفق فيه ما يعد إسرافاً في حقه؛ لقوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرًا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا}.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أيضا في ذم كثرة الفرش: " فراش للرجل وفراش للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان " وهو الذي لا حاجة إليه لا لأهل البيت ولا للضيف (رواه مسلم من حديث جابر).

وقد ورد حديث سنده ضعيف يثبت الأجر في البنيان مادام ينتفع به أحد بلفظ: " من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء كان أجره جاريا عليه ما انتفع به أحد من خلق الرحمن "، وفي لفظ " من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان أجره جاريا ما انتفع أحد من خلق الرحمن تبارك وتعالى "، كلاهما عن معاذ بن أنس الجهني (الضعيفة 177، شعب الإيمان للبيهقي 1/316).

قال الطحاوي (مشكل الآثار 2/416) فدل ما في هذا الحديث على إباحة ابتناء ما ينتفع به أحد من خلق الرحمن من غير ظلم ولا اعتداء، وكان هو المستثنى مما في الحديث الثاني. والحديث ضعفه الألباني.

وقال الإمام أحمد - رحمه الله - وهذا إن صح فيحتمل أن يكون في بناء الرباطات وفيما لا بد منه من بناء يكنه من الحر والبرد دون بناء يراد به الزينة فقط.

والحاصل من هذا أمران؛ الأول: أن بناء ما زاد عن الحاجة مذموم لا أجر فيه، وقد يلحقه وزر إذا قصد به التعالي والاستكبار، وأما ما كان بقدر الحاجة فالمشهور عند عامة العلماء أنه يؤجر فيه، وكذا لو كان لحاجة غيره كأضياف وطلبة علم ونحوهم، فيجعل لهم متسعا للإقامة كما يجعل لهم فراشا للجلوس والنوم.

الأمر الثاني: أن البناء ولو كان بقدر الحاجة ينبغي ألا يخلد إليه صاحبه، أو يبالغ في الاهتمام به، وعليه أن يستحضر دائمًا أن الآخرة هي دار القرار، وأن الساعة قريب، ويدل على هذا ما صح من رواية أبى داوود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا أطين حائطًا لي أنا وأمي، فقال: "ما هذا يا عبد الله؟"، قلت: يا رسول الله شيء أصلحه، فقال: "الأمر أسرع من ذلك" (صحيح سنن أبي داود رقم 4361 - 3/983).

وفي رواية أبى داوود عنه أيضًا: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خُصًّا لنا وهي ضعف، فقال: "ما هذا؟"، فقلنا: خصا لنا وهي فنحن نصلحه، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (صحيح سنن أبي داود 3462 - 3/983).

-       ولا شك أن القدر المذكور في الحديث من البناء مما تمس له الحاجة، لكنها التربية على ترقب فناء الدنيا وتعلق القلب بالدار الآخرة، وعدم الخلود لداره الفانية وإن كانت خصًا، فهو توجيه للأمة لتتذكر دائمًا أن دار القرار هي الآخرة، ولا يفرح بدار عمرها وشيدها في الدنيا، فالدنيا مجرد ممر أو معبر أو طريق إلى الآخرة فحسب.

•       حديث ابن عمر رضي الله عنه: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (البخاري، الفتح 11/233).

-       قال ابن رجب رحمه الله: هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا أو مسكنًا فيطمئن فيها، لكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: {يَا قَوْم إنّمَا هَذِه الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}، وقال تعالى أيضًا: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ • أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.

-       وروى الترمذي لكن بسند ضعيف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما لي وللدنيا إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها"، في إسناده ضعف (الصحيحة 435، 439 – وانظر: ضعيف الترمذي 4377).

-       ومما روي عن عيسى عليه السلام: اعبروها ولا تعمروها، وروى عنه: من ذا الذي يبنى على موج البحر دارا، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.

-       وقد وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب، ففي الحديث الصحيح (السلسلة الصحيحة، رقم 1716) أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عادوا خبابا، فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله ترد على محمد صلى الله عليه وسلم الحوض، قال: كيف بهذا وأشار إلى أعلى بيته وإلى أسفله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يكفي احدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب"، ولما احتضر سلمان رضي الله عنه بكى، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهدًا فتركنا ما عهد إلينا، أن يكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب، ثم نظروا ما تركه فإذا هو بضعة وعشرون أو بضعة وثلاثون درهما رضي الله عنه (المصدر السابق).

-       ومن شعر الموفق أبى محمد عبد الله بن قدامة صاحب المغني وعمدة الفقه:

أبعد بَيَاضِ الشَّعْرِ أَعْمِرُ مَسْكَنًا.•. سَوى القَبْرِ إنِّي إنْ فَعَلْتُ لَأَحْمَقُ

-       وحتى تحدد اهتمامات المؤمن بوضوح فإنه طبقًا لحديث ابن عمر رضي الله عنه: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، فإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنًا (هذا كلام ابن رجب رحمه الله)، إذن فينبغي أن يكون فيها حاله أحد حالين؛ إما ان يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربه همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم ألبتة؛ بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، ومن كان حاله كذلك فلا همة له إلا في التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه (هذا كلام ابن رجب رحمه الله).

-       وعلى ذلك فليس في اهتماماته منافسة أهل البلد الذي هو غريب بينهم في قصورهم وعزهم وممتلكاتهم، واللهاث وراء كل ما يجد في دارهم من متاع أو ترف أو زخرف. إن همه في واد آخر، فاهتماماته مصوبة إلى دار القرار، فهو يتناول ما يوصله إليها، ولا يضيع فكره ووقته وماله وجهده وطاقته فيما لا حاجة له إليه في دار القرار، فهو كما قال الحسن رحمه الله: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها، له شان وللناس شأن.

فهذا على صعيد الاهتمامات وتأثرها برسوخ هذه الحقيقة في النفس {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}.

‌ب)     على الصعيد الاجتماعي أيضًا أمر ثان؛ وهو أسباب المشاكل والصراعات بين الناس:

  من عظمت الدنيا في عينه واضمحلت الآخرة من قلبه لم يراع خلقًا ولا دينًا ولا شرعًا ولا أدبًا في سبيل نيل بغيته من الدنيا، ولا يحسن المعاملة إلا مع من يعطيه من حطام الدنيا، فعليها يؤاخي ويوالى، ومن أجلها يبغض ويعادى.

•       وقديما قال ابن عباس رضي الله عنه: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا (كتاب التوحيد - باب ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله).

يقول هذا قديمًا (وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا) فماذا يقول اليوم؟

وما هي إلا جِـيـفةٌ مســتحـيلةٌ   عليها كلابٌ هَمُّهن اجتِذابها

فإن تجتنبها كنت سِلمًا لأهلها   وإن تجتذبها نازعتك كلابها

•       هذا هو التهافت والتنافس على الدنيا الذي خافه صلى الله عليه وسلم على أمته في قوله: "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا؛ فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم".

•       ولهذا أيضًا قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" (رواه أحمد 22/352، ط - الرسالة - إسناده صحيح على شرط مسلم).

•       لذلك تجد في كل يوم التدليس في الكلام، والكذب، والإخلال بالعقود، وخلف الوعود، وعدم الالتزام بالشروط، والخصومات، والمشاجرات التي تصل إلى القتل، كل ذلك لأجل زيادة من الدنيا ظهرت لشخص يفعل ذلك للحصول عليها.

•       فعبد الدنيا حين تلوح له فرصة لاقتناص شيء منها سارع إلى ذلك مهما كان فيه من تضييع لحقوق الآخرين أو تَـعَـدِّ عليهم، حتى لو كان فيه شبهة بل يتشبث بالشبهة لأن الدنيا والمحافظة عليها مقدم على محافظته على دينه ودار قراره في الآخرة، وصدق صلى الله عليه وسلم القائل: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم".

•       وحين يكون الناس أتقياء من أهل الآخرة لا يقبلوا انتهاك حرمات الله من أجل شيء من الدنيا ولو كان لهم فيه شبهة.

•       فهذا صاحب أرض يحكي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه باع أرضه لرجل فوجد المشترى فيها جرة من ذهب، فرجع بها إلى البائع، فقال البائع: قد بعتك الأرض بما فيها، وقال المشترى: إنما اشتريت الأرض ولم أشترِ جرة الذهب، فتحاكما إلى رجل، فقال: ألكما ولد، فقال أحـدهما: لي غلام، وقال الآخــر لي جارية، فقال: زوجوا الجارية للغلام ولينفقا عليهما وليتصدقا.

ج‌)     الأمر الثالث على الصعيد الاجتماعي بعد نوعية الاهتمامات وأسباب المشاكل والصراعات، والذي لا ينفك عن غياب حقيقة أن الآخرة هي دار القرار؛ هو تعقد حياة الناس:

•       فالذين ملأت الدنيا قلوبهم لهم طقوس ومظاهر دنيوية يشددون فيها على أنفسهم وعلى غيرهم، تعقيدات لابد منها، ولو تسببت في تجميد الحياة وإصابتها بالشلل، ويظهر ذلك مثلا في مظاهر الزواج والتجهيز له، والنقاش في الدقائق والاختلاف حولها، كما يظهر ذلك أيضًا في الأحزان؛ في كيفية الظهور أمام المعزين وفي إقامة السرادقات ونحو ذلك، كما يظهر في تضييع الأعمار في البحث عن أحدث الموديلات وأحدث الأشكال في كل صغير وكبير؛ فمن أجل شراء حذاء مثلًا قد يمكث أحدهم أسبوعًا يطوف بالمحلات، وآخر يسافر لشرائه من محافظة أخرى، إلى غير ذلك من التعقيدات والتفاهات، وفي شريحة أخرى من المجتمع يسافر البعض لدولة أخرى لشراء فستان الزفاف، في الوقت الذي يشق على أحدهم ان يمشي بضع خطوات إلى المسجد، للتزود لدار القرار بعبادة أو علم، والصور في هذه المأساة لا تنتهي.

ثالثا: ويحيا المؤمن بهذه الحقيقة {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}

على الصعيد الشخصي أو المستوي الفردي، أي مشاعره الداخلية أو ما يدور في نفسه، فإنه يستحضر تلك الآية ويستصحبها في مواطن شتى، فتتبدد عنه الهموم؛ كما:

‌أ)       في حالة ضيق ذات اليد.

‌ب)     في حالة الابتلاء والمحنة من قبل أعداء الدين.

‌ج)     في حالة تعرض حياته لعدم الاستقرار بالتنقل المتعدد من مكان لمكان أو من بلد إلى بلد، أو من وظيفة إلى أخرى، وربما يكون في كل ذلك مضطرا.

ونقف مع كل من هذه الأحوال الثلاثة بإشارات سريعة:

‌أ)       في حالة ضيق ذات اليد:

•       من كان قلبه عامرًا بأن الآخرة هي دار القرار، فإنه إن كان لا يملك من متاع الدنيا الفاني إلا القليل؛ فإنه لا يجزع ولا يحزن ويكون أهدأ بالًا وأرضى قلبًا ممن غابت هذه الحقيقة عن قلبه.

-       فالدنيا في حسه أولًا وأخيرًا معبر يمر به أو دار غربة سيرحل منها عما قريب، إلى وطنه الذي تدوم فيه حياته؛ فيكفيه منها ما يكفي المسافر؛ بل ربما لام نفسه إذا كثرت أمتعته، ويقول لنفسه كما قال سلمان وهو يبكي لما احتضر ولم يكن في بيته إلا أقل القليل: "عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدًا فتركناه، أن يكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب".

-       ومثل هذا القلب العامر بهذه الحقيقة لا يتجه فكره للاقتراض مثلًا قرضًا ربويًا من أحد البنوك، ولا حتى قرضًا غير ربوي من أجل بناء مسكن أوسع أو أجمل، أو تمليك بدل الإيجار؛ إذ ليس هناك ما يدعو أصلًا للوقوع في المعاصي والكبائر، وهو يقضي مده مؤقتة في دار الغربة، يتجه بعدها إلى بيته الدائم الذي يستحق كل الاهتمام لبنائه خير بناء؛ ليكون خير مستقر.

•       أما إذا انصرف قلب الانسان عن دار القرار فسيعيش في حسرات؛ لأنه يريد أن يكون عنده في هذه الدار الفانية مثل ما عند الآخرين، وإذا حصل له رزق من الله فإنه لا يشكر؛ لأنه ينظر إلى من أعطاه الله أكثر، وهكذا.. بل قد يصاب بالعمى فيرى القليل الذي عند غيره فيتطلع إليه ولا يرى الكثير الذي أنعم الله به عليه، فيصير المملوك له مكروهاً، فيعيش في حسرات دائمة يشعر بالنقص ولا يجد اللذة ولا الرضا، وهكذا كل من لم يقنع بما آتاه الله.

 

-       ولهذا نهانا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عن النظر والتعلق بما عند الناس وما متعهم الله به من متاع الدنيا الفاني فقال عز وجل: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.

      قال ابن كثير، رحمه الله، في معنى الآية: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما هم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة لنختبرهم بذلك.

      قال قتادة والسدى: زهرة الحياة الدنيا يعنى زينة الحياة الدنيا.

      وقال مجاهد: أزواجًا منهم: يعنى الأغنياء، فقد آتاك الله خيرًا مما آتاهم.

-       ولهذا أعقب الآية بما يدوم نفعه ولا يزول فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}، وفي الآية إشارة إلى أن إقبال العبد على ربه من أسباب الفرج والرزق وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

-       كذلك في الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".

-       وفي صحيح البخاري (الفتح 11/329): باب لينظر إلى من هو أسفل منه (أي في المال) ولا ينظر إلى من هو فوقه، وفيه عن أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق (الصورة والشكل) فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه"، وزاد مسلم: "فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم".

-       وبنحوه ولكن بسند ضعيف، لكن يُذكر من باب الشواهد، للحاكم عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى ألا تزدروا نعمة الله" (السلسلة الضعيفة، وضعيف الجامع).

-       وبنحو معــناه أيضـًا ولكـن بسند ضـعيف عن عــمرو بن شـعيب عن أبيه عن جـده أن رســول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خصلتان من كانتا فيهما كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته؛ فإنه لا يكتب شاكرًا ولا صابرًا".

-  ومما استفدته من بعض الجلساء الصالحين، من علامات الشكر أن ترى ما أنت فيه أكثر مما تستحق.

قال ابن بطال في شرحه لرواية البخاري: هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهدا فيها إلا وجد من هو فوقه، فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبدًا في زيادة تقربه إلى ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالا منه، فإذا تفكر في ذلك، علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضله الله بذلك عليهم من غير أمر أوجبه، فيلزم نفسه الشكر؛ فيعظم اغتباطه بذلك في معاده.

وقال غيره: في هذا الحديث دواء الداء، لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يؤثر ذلك فيه حسدا، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعيًا إلى الشكر (الفتح 11/ 330).

‌ب) حال الابتلاء والمحنة على يد الأعداء أو فقدان شيء من الدنيا بسب نصرته لدينه:

• فالقلب العامر بحقيقة {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}، قلب راض ثابت في المحنة، وتهون عليه الدنيا من أجل دينه.

• وصاحبه يحدث نفسه، أن هؤلاء المتجبرين غرهم حلم الله عنهم وإمهاله لهم، فظنوا أنفسهم قادرين على الدنيا وما فيها، وما هي إلا كلمة من العزيز القهار الذي يقول للشيء كن فيكون، فإذا الأحوال تتبدل، فنزل بهم بأسه الذى لا يرد عن القوم المجرمين، أو بطش بهم، وإن بطش ربك لشديد، أو أخذهم بظلمهم، إن أخذه أليم شديد، ثم يقول لنفسه: وهب أن الله تعالى أملى لهم حتى الموت، واستمر بي البلاء حتى الموت، فماذا بعد؟ إنها ليست النهاية، فهناك دار القرار والخلود التي تضمحل بإزائها الدنيا كما في قوله تعالى: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ} وقوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ}، ثم بعدها يغمس المؤمـن المبتلى في الدنيا غمسة واحـدة في الجـنة فيقول ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شـدة قط، ويغمس الكافر غمسة واحدة في النار فيقول ما ذقت نعيمًا قط.

• ويجلس عباد الله الذين كانوا مستضعفين في الدنيا يجلسون على عروشهم وأرائكهم في دار الخلود والقرار، يسخرون ويضحكون من الطغاة المجرمين الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في الدنيا {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} فيضحك المؤمنون، قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ • عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ • هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُون}.

‌ج) حالة تعرض العبد في حياته وإقامته لعدم الاستقرار، وربما كان مضطرا لذلك فتارة في بلده وتارة في بلد آخر أو في دولة أخرى، تارة في منزله وتارة في السجن، ومن وظيفة إلى أخرى، ومن نشاط إلى آخر، ومن عمل إلى غيره.

• فهنا تكون هذه الحالة غير المستقرة ضاغطة على النفس فيثور فيها تساؤل: متى نستقر؟ متى نجد طعم الاستقرار.

• ولكن القلب العامر بحقيقة {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} لا يلح عليه هذا الهاجس بصورة كبيرة؛ لأنه لا يرى الدنيا أصلًا دار قرار أو استقرار، فهو يعلم جيدًا أن العبد لا يجد طعم الراحة إلا مع أول قدم يضعها في الجنة.

• كما قال محمد بن حسنويه: حضرت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وجاءه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا عبد الله قصدتك من خراسان أسألك عن مسألة، قال له: سل، قال: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.

• لذلك حكى الله تعالى عن أهل الجنة قولهم حين يدخلونها {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ • الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}.

نسأل الله تعالى ألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وأن يجعل الدنيا هي دارنا وقرارنا، {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا}، والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.