20
ربيع أول
1443 هـ
26
اكتوبر
2021 م

عاقبة الأمم الكافرة التي تتبع الشهوات

line
تاريخ النشر: 2020-08-15 17:15:59
المشاهدات: 318

عناصر الخطبة

1/ تشريعات الله للأسرة والمرأة كلها رحمة بالعباد 2/ إطلاق الشهوات من كل قيد كفيل بتدمير المجتمع 3/ الانحلال الخلقي في فرنسا وتأثيره على المجتمع 4/ الانحرافات في السويد 5/ الفوضى الجنسية في أمريكا 6/ السعار الجنسي في إنجلترا والأمراض النفسية في الغرب 7/ رحمة الله بعباده في تقييده لشهواتهم 8/ الحذر من أذناب الغرب الموجودين في المجتمعات الإسلامية

اقتباس

وانظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي تجردت -على حد زعمهم وتعبيرهم- من قيود الدين والأخلاق والحياء، لتجد ما يكفي لإلقاء الرعب في القلوب لو كان هنالك قلوب، لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات المادية القديمة، حطم الحضارات الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية…

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70، 71].

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون: إن في كل ما شرعه الله -عز وجل- لعباده فيما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين، وفيما يتعلق بأمر الشهوة وقضائها بصفة عامة، وما يتعلق كذلك بشؤون الأسرة في كل شيء، رحمةً للإنسان وتخفيفًا عليه، وإن لم يتبين الإنسان ذلك لأول وهلة؛ قال الله -عز وجل- تعقيبًا على ما ذكره من أحكام تتعلق بالأمور السابقة: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 26-28].

وقد يتعجب البعض، كيف يكون تقييد الشرع لشهوات الإنسان تخفيفًا عنه ورحمة له، ويكون إطلاقه في الشهوات يعبث كما يشاء شقاءً ونكدًا، فكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله -وبخاصة في علاقات الجنسين- يجلب للإنسان المشقة والعناء، والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات يجلب للإنسان اليسر والراحة، وهذا وهم كبير.

فالمشقة الناتجة عن التقيد بمنهج الله في أمور الشهوات -إن كانت هنالك مشقة- لا تقارن بالمشقة والنكد والغم والمعاناة الناتجة عن إطلاق الشهوات من كل قيد.

فإن إطلاق الشهوات من كل قيد، وتحري اللذة وحدها في كل تصرف، والتجرد في العلاقة الجنسية من كل قيد أخلاقي، ومن كل التزام جماعي؛ إن هذه كلها تبدو يسرًا وراحة وانطلاقًا، ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقل، وعواقبها في حياة المجتمع -بل في حياة كل فرد- عواقب مؤذية مدمرة ماحقة.

وانظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي تجردت -على حد زعمهم وتعبيرهم- من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة، لتجد ما يكفي لإلقاء الرعب في القلوب لو كان هنالك قلوب، لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات المادية القديمة، حطم الحضارات الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة، وقد أظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى، وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وإنجلترا، وغيرها من دول الحضارة الحديثة -إن صحت تسميتها حضارة-.

وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة، ما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة 1870م إلى اليوم، وهي في طريقها إلى الانهيار التام كما تدل جميع الشواهد، فقد جرّ عليهم تمكن الشهوات منهم اضمحلال قواهم الجسدية وتدرجها إلى الضعف يومًا بعد يوم، فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم، وتعبد الشهوات يكاد يأتي على صبرهم وجلدهم، وأجحف بصحتهم وأبدانهم.

فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسي يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوبة للجندي الفرنسي على فترة كل بضع سنين؛ لأن عدد الشباب الوافدين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر في الأمة على مسيرة الأيام.

والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير؛ ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي، وفوضى العلاقات الجنسية، والتخلص من الأجنة والمواليد، لا تدع مجالاً لتكوين الأسرة، ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر، ومن ثمّ يقل الزواج، ويقل التناسل، وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية، فسبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوجون في فرنسا اليوم، وعادة يأتي زواجهم بعد سنوات طويلة يهيمون بها في أودية الفجور، ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملون فيه تلك الحياة الشريدة المضطربة، فيلجؤون إلى الزواج بامرأة بغية حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته، وحرية الفجور خارج البيت.

وهكذا تدهورت فرنسا في كل حرب خاضتها، وهكذا تتوارى عن مسرح الحضارة ثم عن مسرح الوجود يومًا بعد يوم، حتى تحِقَّ سنة الله التي لا تتخلف -وإن بدت بطيئة الدوران في بعض الأحيان بالقياس بتعجل الإنسان-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء:16].

أما في الدول التي لا تزال تبدو فتية، أو لم تظهر فيها آثار الدمار واضحة بعد، فإنه يجري فيها نماذج تدل على عوامل تنخر فيها من داخلها حتى يتصدع ذلك البنيان -وإن بدا متماسكًا لفترة طويلة- ففي السويد تشير الأبحاث والإحصاءات العلمية إلى أن الأسرة السويدية في الطريق إلى عدم إنجاب أطفال على الإطلاق، كذلك يقول أطباء السويد: إن خمسين بالمائة من مرضاهم يعانون اضطرابات عقلية تلازم أمراضهم الجسدية؛ وذلك نتيجة للهياج العصبي والتوتر النفسي في حياة الشهوات المسخرة بطريقة لا تلائم الفطرة، ولا تسبب سكينة النفس، بالإضافة إلى الإدمان المروع على المخدرات والخمور، حتى الأطفال.

وتقول الإحصاءات: إن عُشر الذين يصلون إلى سن البلوغ في السويد يتعرضون لاضطرابات عقلية؛ وذلك نتيجة انحراف الأطفال وإدمانهم من جهة، ووجود المرض في الداعرين من أسلافهم من جهة ثانية، ونشأتهم في بيئة غير متزنة نفسيًّا وعصبيًّا من جهة ثالثة، ولا شك أن التمادي والتمتع بالكفر سيضاعف هذه الانحرافات هناك. وإن استمر وضع المجتمع على هذه الحال فمصيره إلى هوة الانقراض والاختفاء.

ومن الجدير بالذكر أن عدد عمليات الإجهاض بسبب العلاقات الجنسية الفوضوية قد سجل رقمًا خياليًّا، حيث قدرتها البيانات الإحصائية في الدانمارك بعشرين ألفًا في السنة.

والحال في أمريكا لا تقل عن هذا الحال، ونذر السوء تتوالى، والأمة الأمريكية في عنفوانها لا تتلفت للنذر، ولكن عوامل التدمير تعمل في كيانها على الرغم من هذا الرداء الظاهري، وتعمل بسرعة، ما يشير إلى سرعة الدمار الداخلي على الرغم من كل الظواهر الخارجية.

لقد وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية لأعدائهم، لا لأنهم في حاجة إلى المال، ولكن لأن بهم انحرافًا جنسيًّا ناشئًا من آثار الفوضى الجنسية السائدة في المجتمع. وفي المجتمع الأمريكي عصابات مهمتها مساعدة الأزواج والزوجات على الطلاق بإيجاد الزوج أو الزوجة في حالة تلبس بالزنا؛ وذلك لأن بعض الولايات لا تزال تشترط هذا الشرط لقبول توقيع الطلاق.

وهكذا تبدو قوانين البشر المتحضرة -على حد زعمهم- عرجاء عوجاء متخبطة، وهكذا يبدو الإنسان هزيلاً مضحكًا مضطربًا متغيرًا وهو يستقل بعقله القاصر -أو قُلْ: بهواه- بوضع القوانين لنفسه بعيدًا عن هدي الله -عزَّ وجل-.

كذلك من المعروف أن في أمريكا مكاتب مهمتها البحث عن الزوجات الهاربات والبحث عن الأزواج الهاربين، وذلك في مجتمع لا يدري فيه الزوج إن كان سيعود فيجد زوجته في الدار أم يجدها قد طارت مع عشيق، ولا تدري الزوجة إن كان زوجها الذي خرج في الصباح سيعود إليها أم ستخطفه أخرى، مجتمع تعيش فيه البيوت في مثل هذا القلق الذي لا يدع عصبًا يستريح.

أما عن العري والتجرد من الثياب بالكلية فحدث ولا حرج؛ فقد كثرت التظاهرات العارية، ولك أن تتصور أن ألفًا وخمسمائة من طلاب وطالبات الجامعة في أمريكا خرجوا في مظاهرة يركضون وهم عراة كالحيوانات. وأخيرًا يعلن أحد رؤساء الولايات المتحدة السابقين أن ستة من كل سبعة من شباب أمريكا لم يعودوا يصلحون للجندية بسبب الانحلال الخلقي الذي يعيشون فيه.

هذه هي أمريكا التي يقول عنها اليائسون: هل ستحاربون أمريكا؟! أو يقولون: لا يمكن أن تقوم دولة إسلامية أبدًا؛ لأنها لو قامت لهدمتها أمريكا على الفور، فضَعُفَ إيمانهم، وظنوا أن أمريكا عملاق لابد أن يبقى إلى الأبد لا يتغير ولا يضعف، وغفلوا عن تدبير الله -عز وجل- بنصر عباده من حيث لا يحتسبون، وتسليطه على الأعداء حربًا من داخلهم، فليست الأخطار التي تهدد أمريكا هي الأخطار الخارجية وحدها، بل هنالك خطر عليها من داخلها، فأمريكا تحمل معها كثيرًا من عوامل القضاء عليها في داخلها. وعلى أبناء الإسلام أن يأخذوا بالأسباب الواجبة بلا يأس ولا تردد، والمستقبل للإسلام بإذن الله.

أما في إنجلترا فلا يختلف الحال فيها عن غيرها من دول الكفر المغرورة. وتلك قصة أذكرها لكم من واقع الشعب الإنجليزي، تبين لكم ما انحط إليه من طبيعة قذرة، فبينما كان شيخ عجوز في طريقه إذ أبصر على جانب الطريق غلامًا يضاجع فتاة، فاقترب منهما ووكز الغلام بعصاه وزجره ووبخه. وقال له الشيخ المتشدد: إن ما يفعله لا يجوز ارتكابه في الطريق العام! ولك أن تتأمل ما في كلمة الشيخ: لا يجوز ارتكابه في الطريق العام!! من دلالات على حال المجتمع الإنجليزي وطبيعة تفكيره. ونهض الفتى وركل الشيخ بكل قوته في بطنه، ووقع الشيخ، وهنا ركله الفتى في رأسه بحذائه، واستمر يركله بقسوة حتى تهشم رأسه، وكان الغلام في الخامسة عشرة والفتاة في الثالثة عشرة من عمرهما.

ولكن هل تحقق لأبناء إنجلترا الارتواء والهدوء بهذا الانطلاق المنحل؟! لا، بل ظلوا في سعار وشقاء يبحثون عن جديد يرضون به انحرافاتهم، فإذا بالشذوذ الجنسي يتفشى باعتباره نوعًا من التغيير، ومزيدًا من الانحراف عن الفطرة البشرية، ونتيجة للإفراط في الفساد والفواحش، فبدأت جمهرة من الرجال تظهر إعراضًا عن النساء، وتطالب بإباحة الزواج بالرجال رسميًّا، وبالفعل صدر في بريطانيا قانون يبيح الشذوذ الجنسي رسميًّا وافق عليه مجلس العموم البريطاني ومجلس اللوردات.

ولكن هل ينتهي الأمر عند هذا الحد وينتهي التخبط وتستريح الأعصاب وتهدأ النفوس؟! كلا، بل لم يزدادوا إلا خبالاً وحيرة وهياجًا، وإذا بمرحلة أخرى في طريق الانحراف والشذوذ، ألا وهي مرحلة عشق الحيوانات والبهائم ومعاشرتها، وقد تواردت الأخبار في الفترات الأخيرة بأن من النساء الغربيات من صار لهن غراميات وممارسات جنسية مع الكلاب، وأصبح الكلب المدلل المرفه الذي تربيه المرأة الغربية منغصًا ونقمة على الزوج أو العشيق، ومنافسًا له متقدمًا عليه، تلك هي دول الحضارة الحديثة التي اتبعت الشهوات، لا، بل الحيوانات خير منهم وأهدى سبيلاً: (أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

أما بعد: فبعد كل ما وصل إليه أهل الحضارة المزعومة من شقاء وتخبط وانحطاط من جراء اتباعهم للشهوات، فما الذي يمكن أن يصيبهم بعد ذلك من تعاسة وشقاء؟! إنها موجات الجنون العام والانتحار، يقول الطبيب العالمي ألكسيس كاريل في كتابه "الإنسان ذلك المجهول": بالرغم من أننا بسبيل القضاء على إسهال الأطفال والسل والدفتريا والحمى التيفودية، فقد حلت محلها أمراض الفساد والانحلال، فهناك عدد كبير من أمراض الجهاز العصبي والقوى العقلية، ففي بعض ولايات أمريكا يزيد عدد المجانين الذين يوجدون في المصحات على عدد المرضى الموجودين في جميع المستشفيات الأخرى. انتهى كلامه.

والجنون له مقدمات وبوادر ملحوظة، فإنك لَتلحظ تلك البوادر في كثير من الغربيين بتصرفات مقلديهم من المنحلين هنا، في ملامحهم وحركاتهم وإشاراتهم وضحكاتهم، ولا يصعب على من تأمل كثيرًا في المصابين بالأمراض العقلية في الطرقات أو المستشفيات أن يلحظ وجهًا من الشبه بينهم وبين أولئك المنحلين، وعلى العكس من ذلك: فإننا نلاحظ سمات العقل والاتزان في الملامح والحركات والكلمات تبدو واضحة في الأفراد المستنيرين بهدي الله، أصحاب البصيرة بشرعه ومنهجه.

ويضيف ألكسيس كاريل إلى كلامه السابق عن دول الحضارة المزعومة قائلاً: وكالجنون؛ فإن الاضطرابات العصبية وضعف القوى العقلية آخذ في الازدياد، وهي أكثر العناصر في جلب التعاسة للأفراد وتحطيم الأسر، إن الفساد العقلي أكثر خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية.

إخوة الإسلام: هذا طرف مما تتكلفه البشرية الضالة في جاهليتها الحديثة من جراء طاعتها للذين يتبعون الشهوات ولا يريدون أن يفيئوا إلى منهج الله للحياة، المغرورين الذين ظنوا أنفسهم أعلم بأنفسهم من خالقهم اللطيف الخبير.

أخي المسلم: لعل العجب قد زال عنك الآن، وأدركت كيف يكون تقييد الله لشهوات الإنسان تخفيفًا عنه ورحمة به، وأن ما في ضبط الشرع لشهوات الإنسان من مشقة إن كان فيه مشقة لا تقارن بالشقاء الذي يصيب الأفراد والمجتمعات نتيجة إطلاق الشهوات من كل قيد، ولعلك أدركت الآن مغزى ذلك التعقيب القرآني على التشريعات التي تضبط شهوات الأفراد وتنظم قضاءها وشؤون الأسرة؛ إذ يقول الله -عز وجل- تعقيبًا على تلك التشريعات: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 26-28].

وهكذا تكشف هذه الآيات عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات ويحيدون عن منهج الله، فماذا يريد الله بالناس حين يبين لهم منهجه، ويشرع لهم سنته؟! إنه يريد أن يتوب عليهم، يريد أن يهديهم، يريد أن يجنبهم المزالق والشقاء، يريد أن يدفعهم إلى القمة السامية، وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات ويزينون للناس مذاهب لم يأذن بها الله ولم يشرعها لعباده؟! إنهم يريدون لهم أن يميلوا ميلاً عظيمًا عن المنهج الراشد، يريدون إطلاق الغرائز من كل عقال لتتحول الحياة إلى سعار محموم لا يقر معه قلب ولا يسكن معه عصب، ولا يطمئن معه بيت، يريدون أن يعود الأوروبيون قطعانًا من البهائم وجمرة من المختلين والمعتوهين والمضطربين المخبولين التعساء… إلى غير ذلك من هذا الدمار وهذا الفساد الذي لا عاصم منه إلا منهج الله حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض، إن شاء الله تعالى.

إخوة الإسلام: معذرة إن كنت قد ذكرت في كلامي ما تنفر منه القلوب، وما تشمئز منه النفوس، ولكني تعمدت ذلك لزرع الكراهية والاحتقار في قلوبكم لأهل تلك الحضارة المزعومة، ولزعزعة ثقتكم بها، ولإزالة اليأس عنكم، ولتحطيم ذلك الصنم المعنوي من قلوبكم، وإن المسلم ينبغي أن تكون ثقته بمنهج الله راسخة من خلال قناعته بأنه منهج من عند الله -عز وجل- فلابد أن يعلو ولا يعلى عليه، فلابد أن تكون لديكم ثقة في إسلامكم ومنهج ربكم إن كنتم مؤمنين.

أخي المسلم: إن ما سمعته بأذنك عن مظاهر الفساد والانهيار والشقاء في حياة الذين يتبعون الشهوات، هو ما يدعونا إليه هنا أصحاب الأقلام الخبيثة ممن يشار إليهم بالمفكرين والأدباء وغيرهم، ومن المؤسف أن بعضهم يستدلون بالانحلال الغربي على شرعية الانحلال، وأنه لا مانع أن تنطلق مع الشهوات؛ إذ إن السادة في الغرب يفعلون ذلك وهم أهل الحضارة، فهو إذن خير وحلال، فبأي شيء يتعظ هؤلاء المنهزمون الفجرة إن لم يتعظوا بذلك؟! وهل هناك عبودية لصنم أشد من تلك العبودية؟! فالشيء إذا كان هنالك فهو عند القوم هنا خير وحلال، ودلالة على أن منهج الله هو الخاطئ: (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) [الروم: 29]، فبالله ما معنى العبودية إن لم تكن تلك عبودية منهم لغير الله اجتمع فيها الحب التام والذل التام لذلك الصنم؟!

وصنم الحضارة الغربية من أحط أصنام العصر الحديث، ويتمتع بأكبر عدد من العباد؛ إذ يعبده جماهير المثقفين وجماهير العوام على حد سواء، والعلمانيون الذين يُقْصُون الدين عن الحياة إنما خرجوا من الملة من جراء عبوديتهم لهذا الصنم وفتنتهم به، ولا يزال الكُتَّابُ والعلمانيون يمكرون مكر الليل والنهار ليلحق بهم أبناء الأمة جميعًا.

لذا فإننا ننصح الأخ المسلم في بداية خطوته الأولى في الالتزام بالدين وتعلمه أن لا ينشغل بتفاهات الصحف ومقالاتها، خاصة الدينية منها، فهي الستار الذي من ورائه يميع الدين ويمهد السبيل لحصره وطرده من واقع الحياة، ولا تغتر بالفلتات العابرة التي تصدق فيها الصحافة والبرامج الدينية التي يشرف عليها العلمانيون، فإنهم يكذبون معها مائة كذبة، وما أقروا به مرة ينقضونه عشرات المرات؛ لأن الصدق وإرادة الخير ليس هدفهم، وإنما يصدقون أحيانًا ليصدقهم المفتونون بعد ذلك فيما يضللون، أو لتحقيق غرض وقتي تقتضيه المصلحة؛ لذا كان لابد أن تمحو من نفسك الثقة بمقالات هؤلاء وبرامجهم ولا تقيم لها وزنًا، وعليك بلزوم منهج الله وأهله المخلصين له، مهما بدا فيه من تقييد لشهوة أو منع لنزوة، فوراء ذلك رحمة الله بعبده القاصر الضعيف: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28].

نسأل الله -عز وجل- أن يعيننا على التزام منهجه، وأن يرزقنا وقفة صدق مع أنفسنا ينخلع فيها كل منا من معصيته وذنبه، ويسلك سبيل الأبرار الأطهار بجد واستقامة، اللهم قنا شر أنفسنا وشهواتنا، وشر أعدائنا وأهوائنا، اللهم ارزقنا التوبة النصوح الصادقة، واختم بالصالحات أعمالنا وأعمارنا، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم تب على التائبين، واعف عن العصاة المذنبين، وكف عنا شر المفسدين المارقين، واصرف عنا كيدهم واجعله في نحورهم، وانصر إخواننا المجاهدين في كل مكان؛ لإعلاء كلمتك، وإقرار دينك وعبوديتك في الأرض، وألِّف بين قلوبهم وانصرهم بفضلك وبرحمتك يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم